محمد الأشهب يكتب: هسبرس القصة الكاملة

محمد الأشهب
Monday, February 14, 2011
كيف تحول الموقع إلى أداة بيد المخابرات للتلصص على المعارضين
يبدو أن بعض مواقع الأنترنت تهدد المعيش اليومي لـ«المقدمين» و«الشيوخ». هؤلاء يحصون أنفاس الناس يوميا ويرفعون تقارير عنهم، ليتولى رؤساؤهم النظر في أمرها، أما بعض مواقع الأنترنت
فقد صارت تتجاوز إحصاء «كليكاتهم» على شاشة حواسيبهم إلى استشراف آرائهم وتعمل على استخلاص التوجهات الكبرى للرأي العام منها. ويأتي موقع «هسبريس» على رأس قائمة مواقع الأنترنت المنتسبة إلى المغرب التي تتخذها بعض الجهات وسيلة لجس نبض الرأي العام، قبل اتخاذ قرار في شأن قضايا معينة.
وقد أكدت مصادر عليمة لـ«المساء» أن القائمين على «هسبريس» يعمدون، في زحمة المقالات التي يعج بها موقعهم، إلى إثارة بعض القضايا بقوة. وفي هذا الإطار، يتم نشر مقالات سرعان ما تحولها جداريات الموقع إلى «استفتاء»، لاختبار مدى تماسك الشخص أو الهيئة التي صوبت الجهات التي تقف وراء الموقع سهامها نحوه (ها)، وتنتظر فقط ما يشبه «الضوء الأخضر» للإجهاز عليه (ها). والضوء الأخضر في هذه الحالات يكون إما لا مبالاة تجاه الشخصية أو الهيئة أو تخليا كليا أو جزئيا.
وتضيف المصادر ذاتها أن القائمين على «هسبريس» والأيدي التي تحركهم أصيبوا، في أكثر من مناسبة، بخيبات أمل كبرى، لأن مقالاتهم في بعض الحالات لا تزيد خصومهم إلا قوة وتعاطفا، لأن مغزاها مكشوف، وإن حاول كتابها، أن يتواروا خلف أسماء مستعارة، أو يوقعوا باسم المدينة التي يدعون أنهم يرسلون منها «قصاصاتهم»…
يكون الوضع لدى «هسبريس» حينئذ أشبهَ بـ«انقلاب السحر على الساحر». فكيف يكون رد فعل من سقطوا في شراك مكائد «هسبريس»؟
تقول مصادر «المساء» إن القائمين على الموقع يوهمون قراءهم، من خلال المتابعة اليومية لمستجدات الأحداث، بأنهم يتقيدون بالموضوعية ويترقبون ما يعتقدون أنه «اللحظةَ المنافسة» لتوجيه طعنات لمن يعتبرونهم خصوما، علما أن أغلبية المقالات التي تُنشَر في الموقع مستقاة من الصحف المغربية والأجنبية، مستفيدة من «عروق» شبكة الأنترنت، التي تكفي معها بضع نقرات على شاشة الحاسوب لتسري المادة الخبرية في كل أرجاء المعمور، وليس في المغرب فقط، بينما الجريدة الورقية لم تصل سوى إلى فئة قليلة من قرائها، القاطنين في المراكز الحضرية الكبرى.
توقيعات مستعارة
إذا كان هذا النوع الأخير من المقالات، أي المستقى من الجرائد، يتسم في معظمه بقسط من الموضوعية، فإن أغلبية المقالات التي تُكتَب باسم «هسبريس»، سواء أفصح كاتبها عن اسمه الحقيقي أو اختفى وراء كنية مستعارة أو توارى خلف توقيعات غامضة، مثل «هسبريس من الرباط»، شبيهة بتسريبات لاختبار «مناعة» الشخصيات والهيآت التي تتناولها. والأكيد أنها تخدم مصلحة «جهات ما» تقف وراء هذا الموقع الإلكتروني الخاص جدا. العينات كثيرة وتكفي زيارة قصيرة للموقع، في أي وقت، لتمييز المقالات الصحافية من المقالات -الاستفتاءات.
وعلى هذا الأساس، يتبين أن المقالات -الاستفتاءات لا تنشر عبثا، وإنما تحرص الجهات المحركة لـ«هسبريس» على اختيار توقيتها. وإذا خيبت تعليقات القراء آمال هذه الجهات، فإنها تسكين أياما ثم تعود لنشر «مغالطات» جديدة، في محولة للنيل ممن تعتبرهم خصومها.
وقد أثار أحد زوار «هسبريس» المنتظمين هذه الملاحظة وقال إن باستطاعته أن يتوقع مقالا ثانيا عن نفس الشخصية أو الهيئة بمجرد الاطلاع على التعليقات، فبالإضافة إلى افتقارها إلى الموضوعية ونزوعها نحو القذف والتجريح، فإن هذه المقالات تتطرق بوتيرة متسارعة إلى الشخصيات والهيآت ذاتها، حيث يغير أصحابها زواياها ويختلقون افتراءات جديدة تبعا لما يرِد عليهم من تعليقات، أملا في إقناع الرأي العام بأن هذا التنظيم «فاسد» وبأن هذه الشخصية «ليست كما تعتقدون»… «تكرار المقالات التي تتناول موضوعا معينا، بافتراءات جديدة، دليل على فشل الجهات التي تقف وراء «هسبريس» في تأليب زوار الموقع ضد خصومها»، يقول إعلامي عمل في هذا الموقع في سنته الأولى، مؤكدا أن كثيرا من كتاب هذه الاستفتاءات تعوزهم الكفاءة والحجج، ولذلك تنقلب عليهم حيلهم…
ويبدو أن أصحاب «هسبريس» يعرفون -أكثرَ من غيرهم- أن مقالاتهم تفتقر إلى الموضوعية التي تعتبر مفتاحَ التفاعل الجيد مع القراء. ولهذا السبب، قد لا يترددون في التدخل لـ«توجيه» تعليقات القراء على المقالات التي ينشرونها، لضرب «خصومهم».
وقد كشفت «هسبريس» نفسُها عن جانب من «الأسلوب» الذي تدبر به الجداريات المخصَّصة لتعليقات القراء على مواضيع القراء. وورد في حوار أجرته مع شخص أنه «معلق مشاغب يختفي وراء اسم الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري كشف عن أمرين أساسيين: أولهما أن الموقع يحدد هوية جميع زواره الذين يكتبون تعليقات على المقالات أو يردون على تعليقات لآخرين، تأييدا أو معارضة، وهو ما يثبت أن جميع الزوار مراقَبون ويتم تحديد هوياتهم بدقة، ليس فقط أسماءهم ومهنهم، بل يمكن الولوج أيضا إلى الملفات التي يُخزّنونها في القرص الصلب لحاسوبهم الخاص، اعتمادا على عنوان «IP»، الذي يعتبر بمثابة «بطاقة تعريف» مستخدمي الأنترنت!…
أما الثاني فهو الأخطر. ويتعلق بتوجيه نقاش الزوار حول القضية، ذلك أن «أبا ذر الغفاري»، كما يكني نفسه، والذي قال إنه صحافي يحبذ التعليق على المقالات أكثر من كتابتها، اعترف في الحوار الذي أجرته معه «هسبريس» نفسها بعمله على «توجيه» النقاش في الجداريات.
تكنولوجيا التجسس
يُظهر تمكُّن الموقع من إجراء حوار مع معلق -رغم أنه استعمل اسما مستعارا- أن المشرفين على هذا الموقع يعرفون جيدا زوارهم ويتوفرون على جميع المعطيات عنهم، خصوصا أن تكنولوجيا التجسس عبر الشبكة العنكبوتية توصلت إلى برامج تقوم بهذه «العملية»، دون إثارة انتباه متصفح الأنترنت. ويعني هذا أن «هسبريس» بإمكانه أن يربط، من خلال ما يتوفر عليه من معلومات، الاتصالَ بأي شخص يدون تعليقا في جدارية مقال معين، ويمكن أن تمنح المعلومات لجهات، لتوظيفها وفق ما يخدم مصالحها.
وبخصوص توجيه النقاشات، ومن خلالها الرأي العام، فإنه يتم أولا حسب منطق «ما يجوز نشره»، و«ما ليس قابلا للتعميم»… ويستغرق نشر التعليقات على الجدارية وقتا في حالة نشره، وقد لا ينشر أبدا. كما تتم مراجعة كل التعليقات قبل نشرها.
الخطوة الثانية في «التوجيه» يتولاها هذا «المعلق» عن طريق التدخل لتغيير مسار النقاشات على النحو الذي يخدم مصالح الجهات الواقفة وراء «هسبريس». مرة، يتدخل لـ«دعم» أقوال معلق وتارة «ينهر» آخر، حسب المصلحة…
وقد طرح الصحافي عبد الله ساورة، الذي أجرى ذلك الحوار في يوليوز 2009، على مستجوبه السؤال التالي: «من أجل مزيد من التوضيح، أنت بطبيعة الحال لست طه الحمدوشي، مدير موقع «هسبريس»، ولست الصحافي مصطفى حيران؟»، وفي ذلك إشارة إلى الذين كانوا يعتقدون حينئذ أن «أبا ذر الغفاري» هو طه الحمدوشي، مدير «هسبريس» أو الصحافي مصطفى حيران، أو هما معا… وقد جاء جواب المعلق كالتالي: «هذا السؤال يجب أن توجهه لطه الحمدوشي وحيران، فلستُ معنيا به إلا إذا كنت تريد تبرئة ذمتهما من حدة تعاليقي وخطاباتي النارية. فقد سبق أن قلت إن حيران ليس هو «أبو ذر الغفاري». صحيح أننا نلتقي في بعض المواقف والمواضيع ولكن لكل منا شخصيته المستقلة. وقد سبق لي أن انتقدته في عدة مواضيع، لذلك لا داعي إلى الرجوع دوما إلى هذا السؤال، فالكرة الآن في ملعب حيران، فهو الذي يجب عليه أن يبرئ نفسه مني, حتى يعيش في أمن وأمان»…
فكرة الموقع
بدأت الحكاية مع طه الحمدوشي، مدير الموقع الذي يعيش في كندا، عندما أحس بالرغبة في متابعة الأحداث التي يعيشها المغرب. لم يتردد في الاتصال بمصمم الموقع، وهي شركة «egyxp»، التي يملكها المصري محمد فتح الله. صممت هذه الشركة المعروفة مواقع «هداية نت»، للصحافية السعودية هداية درويش، وجريدة «السياسي»، الإلكترونية، وموقع «المقطف الإعلامي» وكذلك موقع «جريدة حزب شباب مصر» وجريدة «عرب بريس». ويؤكد الحمدوشي أن هذا الاختيار كان ماديا أيضا، لأن هذه الشركة تعرض أسعارا منخفضة جدا لا تتجاوز مئات من الدولارات، ولأن «أغلبية الشركات المغربية المتخصصة في إنشاء المواقع تتقن أكثر التعامل مع تصميم المواقع بلغات أجنبية، وبعضها طلب منا مبالغ خيالية»، يقول الحمدوشي، في حديثه إلى «المساء».
وحسب مدير الموقع، تعني كلمة «هسبريس» الأطلال والحدائق الأسطورية، وأشار إلى أنها كانت تقع في شواطئ المغرب، وبالضبط على المحيط الأطلسي: «لقد وقع الاختيار على هذا الاسم لأنه سهل وغامض ويتعلق بالمغرب ويتيح ربطه بالفضاء الإلكتروني لعالم الصحافة».
تمت برمجة موقع «هسبريس» بشكل خاص لإدارة محتواه كجريدة إلكترونية، وتتيح الولوج إلى بياناته عن طريق رقم سري، من أجل توضيب المقالات ومراقبة التعليقات من أي مكان في العالم، وهي إمكانيات متاحة حاليا في عدد كبير من المواقع الإلكترونية.
لا يستثني «هسبريس» أي مادة إخبارية كيفما كان موضوعها، ويعرضها مسؤولو الموقع بشكل آني، يجعل الموقع أشبهَ بوكالة أخبار إلكترونية: مواضيع عن الملكية والأمراء، حرية الصحافة، أحداث سيدي افني، أخبار الجالية المغربية في الخارج، أعمدة لصحافيين وكتاب مغاربة، مقاطع فيديو «يوتوب»…
وقد جعل «تفاعل» المبحرين المغاربة مع ما يقدمه الموقع عدد التعليقات، التي يتسم أغلبها بجرأة التعبير، يتجاوز المليون منذ إطلاق الموقع، دون أن يتعرض لأي تهديد صريح، وهو ما يعتبره المشرفون عليه «أمرا غريبا يجب أن يفخر به الإعلام المغربي»، بينما يرى المحامي إبراهيم راشدي أن المسطرة الجنائية تُطبَّق على كل من تسبب في أضرار معنوية للأشخاص عبر النشر الالكتروني، مثلما هو عليه الحال مع الصحافة المكتوبة، مما يجعل الموقع، في نظره، خاضعا لنفس القانون…
فريق عمل افتراضي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ